نحن والأخلاق !
في ظل طغيان المادة والتقدم التقني والعلمي يغيب الحدث عن الإنسان الذي حلت مكانه الآله في كثير من الاحيان وربما هذا منطقي فيما يخص الجانب التقني في الحياة المعاصرة ولكن مع كل هذا التقدم لا نجد تقدما يوازيه في النفس الإنسانية كشخصية وأخلاق نحتاج أن نفهم هل انقرض عصر الحضارة واكتفينا بالمدينة الآلية الجامدة ؟ أم أن الاخلاق تبقى لها الأهمية الكبرى برغم كل شيء وهل علينا أن نعيد جدولة أولويات المجتمع نحو الأخلاقية من جديد؟
ولهذا لا بد من بيان الوضع الحالي من الجانب الواقعي ثم بيان مدى الحاجة إلى الالتزام بالقيم والأخلاق ،فالخلق هو الطبع والسجية ؛وهو ما تخلق به الإنسان من السمات والتصرفات ومنه محمود كالصدق والأمانة والوفاء والشجاعة ،ومذموم كالكذب والنفاق والغدر والخيانة ،والمحمود منها ما جاء النبي – صلى الله عليه وسلم – ليتممه في قوله : “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق “.
في نظرة سريعة إلى أحوال الناس الان نرى أن المادة طغت على قلوبهم وعقولهم فتغيرت النظرة إلى الأخلاق بينهم ،وبدلا من أن تكون أمرا ثابتا ،يقاس الفعل عليه حسنا وقبحا ؛ أصبحت – للأسف – نسبية تتغير مسمياتها بحسب الموقف ؛فما يكون نفاقا بسمى مجاملة ، وما يكون كذبا يسمى فهلوة ، وما يكون غدرا يسمى “ضربة إستباقية ” وما يكون استغلالا يسمى ذكاء .
ورغم كل هذا ؛ما زال هناك بصيص أمل نرجوه في التغيير ،فنحن ما زلنا في داخلنا نقدر الأخلاق ونعلي شأنها ؛لكننا في ذات الوقت نخاف أن نتخلف عن ركب مدنية جعلت من الربا فائدة ،ومن الاحتكار تجارة ،في داخلنا نعلم أننا بحاجة إلى العودة ‘لى الصواب وتغيير المسار لكننا لا نجرؤ بعد على البوح فيما نفكر فيه ،ونقول – فقط عندما نرى خلقا طيبا أو تصرفا راقيا – هذا من ” زمان الطيبين” ! هو ليس من زمان آخر لكننا هجرنا ذاتنا ،ونتغزل بماضينا الجميل دون أن نحرك ساكنا لإعادته واقعا أجمل .
ولأن سنن الله لا تتغير ولا تتبدل ، وخاصة سنة مهمة جدا وهي سنة التغيير على طرفي النقيض حسنا وسوءا مصداقا لقوله تعالى :” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” ،لا بد من الاعتراف بأن الأخلاق يجب أن لا تناقض أي تقدم مادي بل ينبغي أن ترتكز على كل تقدم لتزيد ثباتا ورسوخا ! لنبدأ التغيير من داخلنا ومن الأقربين من حولنا لنجعل من سمو الأخلاق طريقا نحو سمو الذات والآخرين ، لنصفح ونعفو ونغفر ونتجاوز ، ونبتسم في وجه من نقابل لنكن صادقين مع الله أولا ،و أنفسنا ثانيا ،ومع الآخرين أخيرا ،لنعمل من جديد على تشكيل هويتنا الحضارية والأخلاقية البعيدة عن سطوة المادة بل هي من تجعل للحرية إطارا وللعدل منارا وللروح نشوة وفرحة








أضف تعليق