في ظل كل هذه التطورات والجدل الذي يدور في كل المجتمعات وبالذات المجتمع العربي حول جدليات حقوق المرأة وواجباتها في ظل تسارع الاحداث والوقائع المختلطة بين مد جزر هناك اسئلة تنطلق دائما لتجد جوابين مختلفين بين مؤيد ومعارض وبين مقر ومنكر
هل المراة في مجتمعاتنا العربية ظالمة ام مظلومة؟
وفي كلا الحالتين من هو العنصر الأكثر تأثيرا على هذا الامر وعلى حقيقة هذا الموقع الذي تتموضع فيه المرأة العربية؟
وما الحلول التي يجب العمل عليها؟ هل هي تطبيق ما تريد النسوية العالمية وفي القلب منها اتفاقية سيداو ؟ ام هناك حلولا أخرى أكثر جدوى وأنفع للمرأة والمجتمع وبالتالي للأجيال القادمة؟
تأصيل قضايا المرأة:
أول ما نشأت الحركات النسوية في أوروبا كان الهدف منها هو تحرير المرأة الاوروبية وقتها من الاستعباد وسلب الحقوق الىدنية حتى ولعلي أضرب مثلا هنا بحق التملك للمرأى في بريطانيا والذي أقر بقانون عام 1870 فقط! أي قبل أقل من قرنين من الزمن! وغيرها من الأمثلة المنطقية هناك والتي أدت على نشوء ما عرف لاحقا بالنسوية ولكن هل هذا ينطبق على المجتمعات العربية المسلمة؟
لا ينطبق الأمر هذا على المجتمعات العربية والمسلمة وذلك لسببين رئيسين هما:
أولا : أن الأساس الفكري للمجمعات الغربية مختلف تماما عن الأساس الفكري للمجتمعات العربية والمسلمة، حيث كانت ترجع قوانين أوروبا إلى الفكر الروماني واليوناني واللذان كانا يضعان المرأة في منزلة متدنية في الإنسانية ،ويجعلونها من روح الشيطان ؛على عكس الفكر الإسلامي الذي نص بوضوح على المساواة في الخلق والإنسانية والكرامة والحقوق المدنية.
ثانيا إفتقار أوروبا وقتها إلى القوانين التي تتعامل بمساواة وعدالة مع كل أفراد المجتمع، فكانت التغييرات لا تحدث إلا بعد صراعات عنيفة ودامية لنيل أبسط الحقوق ومنع العنصرية وما زلنا الى اليوم نشهد بعض ترسباتها وما بقي عالقا منها في الاذهان بل وحتى القوانين واحداث أمريكا الأخيرة دليل على وجود هذا الفكر العنصري في العقل الأوروبي في مقابل ذلك؛ هناك أسس قانونية للعدالة والحقوق المجتمعية متأصلة في الشريعة الإسلامية والتي تستمد معظم الدول القانون منها وتعدها إن لم تكن المصدر الوحيد للتشريع تكون في مصدرا أساسيا له مع الاستعانة بغيرها فيما لا يخالف أصولها .
هل المرأة في مجتمعاتنا ظالمة ام مظلومة؟
السؤال شائك جدا وقد تكون الإجابة عنه بسرعة فخا فكريا وترفا فقهيا بل قد تكون موجهة لأجل توجيه العقل نحو التطرف في احد الاتجاهين انطلاقا من فكرة مفادها أن الرجل والمرأة او الذكر والانثى ضدان؛ والحقيقة عكس ذلك تماما وهذا انطلاقا من الفكر العربي المسلم فالنساء شقائق الرجال وهما معا كفتا ميزان المجتمع ودفتا التجذيف لسفينة الأمة وعلى ذلك إن نظرنا في القوانين المعمول بها اليوم نجد انها تمثل إلى حد كبير انصافا للمرأة والرجل معا فلا يوجد حق من الحقوق الإنسانية او الاقتصادية او السياسية إلا ووجد له أساس في الشريعة والقانون في مجتمعاتنا ومع ذلك؛ هناك بعض تعديلات القوانين التي لا تستند إلى الشريعة الإسلامية موجودة في بعض الدول منها ما يعرف بجرائم الشرف وهو مأخوذ من بعض الأعراف القبلية والتي لا تراعي شروط الإسلام في مثل هذه القضايا ، وهذا يرجع لأسباب سأتحدث عنها لاحقا ونعود لأصل السؤال هل المرأة في مجتمعاتنا ظالمة ام مظلومة الجواب كلاهما معا ، ولا شك أن الجواب صادم للكثيرات ممن قد يقرأن ؛ وسأوضح هنا أسباب ذلك الظلم الواقع منها وعليها:
أولا التراجع الفكري والحضاري في القرنين السابقين من بداية تدهور الدولة العثمانية أدت إلى تغييرات في بنية المجتمع العربي واعادته إلى القبلية والتي ركزت على دور الرجل بوصفه المقاتل والقوة والحماية والعمل في مقابل المرأة التي لم تعد داعما لهذا الدور كما كانت اسبقا بالفكر والمشورة وتهيئة وحتى المشاركة الفعلية ؛بل أصبحت فقط متلق للحماية دون ان تساهم في إنشاء المعادلة الصعبة فأصبحت بسبب الأولويات في تلك المرحلة عبئا على الرحل وهنا تجلت الطبيعة البشرية في تضخم الرجل في الفكر المجتمعي حتى بعد محاولات المرأة للعودة إلى دورها الطبيعي إلى جانب الرجل, وبالتالي هناك وعي مجتمعي ساهم كلا طرفيه في تثبيته في الوعي وهو الذي أدى بنا اليوم إلى هذا الانكماش للمرأة والانتفاخ للرجل حتى ولو لم يقم بواجبه فقد اصبح الفكر أن الذكورة هي سبب التقدير وهو ما ليس موجودا أصلا في أصول الفكر الإسلامي بل هو صنيعة العشائرية والانحدار الحضاري
ثانيا :السبب الاخر لما وصلنا إليه اليوم هو الجهل وعدم إدراك الحقوق والواجبات وهو ناتج عن السبب الأول فحتى مع دخولنا عصر التقدم العلمي بقينا في مكاننا من حيث الوعي فلا تكاد تجد نسبة من النساء تعرف ما لها وما عليها سواء كأخت أو كبتت أو كزوجة أو كأم بل تكتفي كثيرات من النساء بما وجدت عليه أمها وجدتها دون البحث في أسباب والنتائج والتغيرات ؛فتكون النتيجة انها تحمل دورها كأنثى كما كانت سابقا وكدلم عبء التغييرات الجديدة من عمل وتجريس ورعاية لتصبح بالفعل كفة الميزان التي تحدثا عنها سابقا مائلة على كتف المرأة بصورة تثقل كاهلها وتجعلها _لظنها أن هذا هو واجبها _ تتمنى لو كانت ذكرا؛ ومن هنا تنشأ الأفكار التي بدأت تظهر على السطح وادت إلى انسلاخ بعض النساء عن حقيقتهم بل ونظرة العار التي أصبحت المرأة تنظر بها إلى ذاتها
ثالتا: ونتيجة لما يحصل في مجتمعاتنا العربية والمسلمة فقد أصبحت القوانين في كثير من الأحيان حبرا على ورق فلا يتم تطبيق هذه القوانين إلا بمحددات وقياسات تناسب الجهات التي تمولها حيث أصبحت كثير من الجول العربية والمسلمة مدينة للمؤسسات الدولية والتي بدورها تفرض اجندتها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والقاعدة العامة تقول إن من يدفع يفرض الشروط ولذلك اصبحنا نرى تحريك قضايا المرأة بهدف تطبيق قوانين تناسب الطلب من المؤسسات الدولية الداعمة. وقد صدرت تقارير عن البنك الدولي فيما يتعلق بالنساء في الوطن العربي سواء في مجال العمل والميراث وغيرها مما يمس للحاني الفكري والديني وحتى الأخلاقي الخاص بمجتمعاتنا
“سيداو” ليس حلا بل تعقيدا أكبر لما يحدث
سيداو اتفاقية مكافحة اشكال التمييز ضد المرأة والتي وقعت عليها معظم الدول العربية تشكل تعقيدا أكبر وتحديا أمام المرأة العربية والمسلمة؛ فهذه الاتفاقية تدس السم في العسل ولعلي هنا اسمي بعض النقاط فيها بأنها خلايا سرطانية سوف تزيد الطين بلة ومن الأسباب التي تدفعني لقول دلك:
أولا إنها تدعو إلى التساوي وليس المساواة وهذا خلط فكري خطير فالمرأة والرجل مكملان وفق المنطق الرياضي وليسا متساويين فق منطق المفاضلة، وهذه هي النظرة الكونية لوجود ذكر وانثى في كل المخلوقات.
ثانيا: وبسبب هذا الاختلاف الفكري في فلسفة هذه الاتفاقية عما تقدمه الشريعة فهناك نصوص فيها تخالف بشكل صريح احكام الشريعة الإسلامية الواضحة فيما يتعلق بالزواج والطلاق والانجاب وحتى ممارسة الزنا والشذوذ وهو من أخطر ما تفتح له الباب وهو ليس خطرا على المرأة فحسب؛ بل على النسيج المجتمعي ككل.
ثالثا: ستزيد هذه الاتفاقية من التناقض الحاصل بالفعل بين الواقع الموجود على الأرض وبين القوانين المعمول بها في البلدان العربية فهي تفتح الباب على مصراعيه لكل الاحتمالات فيما يتعلق بالقوانين بما في ذلك قوانين الاسرة والأحوال الشخصية والعمل والتملك والشهادات وغيرها وتتدخل في تغيير الثقافات والأفكار الإنسانية والتي تشكل انقلابا حقيقيا على النظام الاسري لصالح التفكك غير المنضبط والذي عرفنا نتائجه ضياعا للمرأة كما الرجل والأسرة والمجتمع ككل.
الحل بين يدينا
نحن نمتلك فكرا حضاريا رائدا ولكننا نبحث في الغثاء! نصم آذاننا عن الكنوز المعرفية والاجتماعية التشريعية بين أيدينا الامر لا يتعلق بالمرأة كعنصر بعيد بل الأمة ككيان فكري وعقائدي وحضاري لدينا فكرنا المسلم وقوانيننا المستمدة من الشريعة ولدينا ما نغير به وجه الأرض القبيح ولكننا نفعل ذلك نحتاج أمورا مهمة منها:
أولا : التربية على الطريقة الصحيحة والنظرة الشاملة بعيدا عن الموروثات التي لا تتخذ من الإسلام فكرا ومنهجا وهنا الدور الاساس تقوم به المرأة كونها تحمل أعباء التربية إلى جانب الرجل الذي ينبغي أن يأخذ جانيا أخر منها وخاصة ما يتعلق بتكوين شخصية الذكور لتتحول من الاستعلاء الفارغ إلى القوامة الحقة التي تعتمد على الرعاية للأضعف واعني هنا ليس المرأة فحسب بل المرأة والأطفال والوالدين ومن يعول مستقبلا، والحنو عليه والقيام بما يصلح الاسرة بينما تقوم الزوجة بتربية الفتاة على الأسس الفكرية والتي تجعلها فخورة بأنوثتها وتعرف ما لها وما عليها حقا وشرعا لا تتنازل عنه مهما كانت التحديات.
ثانيا: نتيجة للتربية سيتشكل وعي ضاغط على المستوى القانوني لتطبيق القانون فيما يتعلق بالمرأة بمهنية وموضوعية وبعيدا عن المتاجرة بقضاياها بحيث تكون الفرص متساوية بين الجميع في المجالات الاقتصادية السياسية والعمل والتشريع وغيرها، وهنا انا لا أعني التساوي بل المساوة فمن هو أجدر يتقلد وليس “كوتة” نسوية ولا غيرها فأن تكون هناك امرأة واحدة تقوم على ما يصلح الامة خير من ألف رجل والعكس صحيح الأمر كفاية وليس نوعا.
ثالثا: الإرادة السياسية والتي تعد اصعب الأمور الثلاثة ففي وجود التبعية السياسية لا يمكن ان نحقق الحرية الفكرية ولا حتى الإنسانية والحضارية وهذا يتطلب عملا دؤوبا ومستمرا من الجميع لكي نحافظ على هويتنا بل ونعود إليها براقة غير مشوهة ولا متعثرة!
في النهاية :
نحن نسير في طريق طويل اعتقد ان نهايته لا بد وأن تكون تغييرا شاملا ليس فقط لمصلحة المرأة بل لمصلحة امة تعبت من المعاناة والعبث بمقدراتها وأحلامها وحتى افكارها ومعتقداتها، ولا بد لها من نهوض بعد كبوة، وقوة بعد ضعف، وسيادة حقيقية بعد تبعية.








أضف تعليق