, , ,

كأني أتلوها لأول مرة!

لا أدري كيف مررت بهذه الآيات من قبل دون أن أتوقف عندها طويلًا! كأني أقرؤها لأول مرة، وكأنها تنطق اليوم بمعانٍ لم ألحظها من قبل. في كل كلمة منها شعرت برسالة شخصية موجهة إليَّ، وكأنها جاءت في هذه اللحظة بالذات لتخاطب قلبي وعقلي، لتزيل الغبار عن روحي المتعبة، وتذكرني بأنني جزء من هذه القصة العظيمة…



لا أدري كيف مررت بهذه الآيات من قبل دون أن أتوقف عندها طويلًا! كأني أقرؤها لأول مرة، وكأنها تنطق اليوم بمعانٍ لم ألحظها من قبل. في كل كلمة منها شعرت برسالة شخصية موجهة إليَّ، وكأنها جاءت في هذه اللحظة بالذات لتخاطب قلبي وعقلي، لتزيل الغبار عن روحي المتعبة، وتذكرني بأنني جزء من هذه القصة العظيمة التي ينسجها التاريخ.

“وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” (آل عمران: 138).

كم مرة شعرت فيها بالضعف؟ كم مرة خالجني الحزن؟ لكن هذه الآية جاءت كضوء يخترق العتمة، تخبرني أن العلو ليس بالماديات، وليس بعدد الأسلحة أو حجم القوة، بل هو علو الإيمان، علو القلب الذي لا ينكسر رغم الألم، والروح التي تعرف أن الله هو المدبر، وأن كل شيء بيده.

ثم مررت بهذه الجملة العجيبة: “وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ” (آل عمران: 139).

كم مرة نظرت إلى الواقع حولي وشعرت أن الظلم طال أكثر مما ينبغي؟ أن غزة لا تزال تحت الحصار، وأن الضفة تمتلئ بالجراح، وأن فلسطين تئن تحت القهر؟ لكن الله يرد عليَّ هنا مباشرة: هذه الأيام ليست ثابتة، بل هي دول بين الناس. اليوم قد يكون لهم، لكن غدًا سيكون لأهل الحق. ليست معادلة عشوائية، بل سنّة من سنن الله التي لا تتبدل.

ثم وقفت عند هذه الآية: “وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ” (آل عمران: 140).

يا الله، كم تبدو الأمور مختلفة عندما أراها من هذا المنظور! الألم الذي نشعر به، الجراح التي لا تندمل، الدماء التي تسيل… كل هذا ليس عبثًا، ليس مجرد مأساة بلا معنى، بل هو امتحان، تنقية، تمحيص. أليس الذهب لا يصفو إلا بالنار؟ أليس الحديد لا يشتد إلا بالطرق المتواصل؟ هكذا إذن يمحص الله الذين آمنوا، حتى يبقى الذهب الخالص، وحتى تنكشف حقيقة كل إنسان.

ثم تأتي اللحظة التي شعرت أنها تختصر المعركة كلها، في غزة، في فلسطين، في كل مكان فيه ظلم وصمود:

“وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ؟” (آل عمران: 143).

كم مرة شعرت أن رحيل شخص، أو فقدان قائد، أو سقوط مدينة يعني أن القصة انتهت؟ لكن هذه الآية تأتي كصفعة توقظني: الدعوات لا تموت، الحق لا يتوقف على الأشخاص، الرسالة لا ترتبط بأحد. لا مجال للانكسار، لا مجال للاستسلام، لأن هذه القضية ليست قضية فرد أو زمن، بل قضية أمة ورسالة ممتدة عبر التاريخ.

وحين وصلت إلى هذه الآية: “وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ” (آل عمران: 146)، شعرت أنني وجدت مفتاح الصبر الحقيقي.

هم لم يقولوا: “يا رب خفف عنا”، لم يقولوا: “يا رب أزل عنا هذا الألم فورًا”، بل طلبوا أولًا المغفرة، لأنهم يعلمون أن النصر ليس مجرد قوة مادية، بل هو هبة من الله تُعطى لمن يستحقها. ثم طلبوا الثبات، لأن أكبر خطر في أي معركة ليس قوة العدو، بل ضعف القلب وتراجع العزيمة. وأخيرًا طلبوا النصر، لكن بترتيب دقيق: بعد المغفرة، بعد الثبات، لأن النصر يأتي على قلوب طاهرة ثابتة لا تلتفت للخوف أو الشك.

وفي النهاية، وجدت خاتمة تحمل وعدًا لا يتغير:

“فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ” (آل عمران: 147).

يا الله! هذه ليست مجرد كلمات، بل حقيقة تاريخية، معادلة لا تخطئ: الذين يصبرون، الذين يثبتون، الذين يجاهدون بأخلاق الإحسان، ينالون ثواب الدنيا قبل الآخرة.

أغلقت المصحف لحظة وتأملت: كم نحن بحاجة لهذه الآيات اليوم؟ كم نحن بحاجة لهذا الأمل في زمن يكثر فيه الإحباط؟ كم نحن بحاجة لهذا الصبر وسط الألم؟ وكم نحن بحاجة لهذا الجهاد، جهاد النفس قبل جهاد العدو، جهاد الثبات قبل جهاد المواجهة؟

شعرت أنني تلقيت رسالة شخصية من الله، أن هذه الآيات لم تكن فقط عن معركة أحد، بل عن كل معركة نخوضها اليوم، عن غزة التي تقاوم، عن الضفة التي تصمد، عن كل قلب مؤمن يرفض الانحناء مهما اشتد الظلام.

أضف تعليق