, ,

هل الاستقلالية الأنثوية تعني الانفصال؟

في ظل ما يعيشه عالمنا من تحولات فكرية، واجتماعية، واقتصادية، أصبحت مفاهيم مثل “الاستقلالية” تتصدر خطاب المرأة في كل مكان، لا سيما المرأة الفلسطينية التي تخوض معركة البقاء والهوية في آنٍ واحد. كثيرة هي الشعارات التي تُرفع باسم “الاستقلالية”، وكثيرة أيضًا هي الانحرافات في فهمها وتطبيقها.فهل الاستقلالية تعني بالضرورة الانفصال عن الأسرة، أو التخلي عن…


في ظل ما يعيشه عالمنا من تحولات فكرية، واجتماعية، واقتصادية، أصبحت مفاهيم مثل “الاستقلالية” تتصدر خطاب المرأة في كل مكان، لا سيما المرأة الفلسطينية التي تخوض معركة البقاء والهوية في آنٍ واحد.


كثيرة هي الشعارات التي تُرفع باسم “الاستقلالية”، وكثيرة أيضًا هي الانحرافات في فهمها وتطبيقها.
فهل الاستقلالية تعني بالضرورة الانفصال عن الأسرة، أو التخلي عن القيم، أو إعلان القطيعة مع دور المرأة كزوجة وأم؟
أم أنها في جوهرها تعني وعيًا بالذات، وإدراكًا للمسؤولية، وقدرة على اتخاذ القرار دون الارتهان لعقليات الوصاية أو الاستلاب؟


في السياق الفلسطيني، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحًا.
فالمرأة الفلسطينية عايشت النكبة والنكسة، وواجهت الاحتلال والحرمان، ولم تكن “الاستقلالية” بالنسبة لها ترفًا فكريًا بل ضرورةً واقعية.


فالأم التي فقدت الزوج والأسرة في القصف، والفتاة التي اعتقل أخوها أو غاب والدها شهيدًا، والمرأة التي خرجت لتُعيل أطفالها من خلال بيع المطرزات أو فتح حضانة منزلية، لم تكن تطالب باستقلالٍ بمعناه الغربي، بل بكرامة العيش، وحرية القرار، وحماية الكيان.


وهنا، تتفوق المرأة الفلسطينية في وعيها.
فهي تدرك أن استقلالها لا يعني تخليها عن هويتها الدينية ولا انتمائها الوطني.
إنها تختار أن تكون جزءًا من المجتمع دون أن تذوب فيه، وتبني بيتًا دون أن تُغلق عليه أبواب ذاتها، وتُحب من تُحب دون أن تُسلم عقلها أو إرادتها.


ولذلك فإن الاستقلالية، كما نراها نحن، ليست قطيعة، بل وعي.
وعي بأن المرأة قادرة على أن تكون شريكة لا تابعة، ومؤثرة لا مُهمشة، ومُبادِرة لا مُنتظرة.


ما أخطر أن تتحول “الاستقلالية” إلى ذريعة للتفلت من الروابط الأسرية، أو للتنكر لنعمة الاحتواء والسكينة.
وما أجمل أن تكون هذه الاستقلالية بابًا للنضج، لا للجفاء، وسُلمًا للرشد، لا للغربة الاجتماعية.

المرأة التي تسعى إلى استقلالية حقيقية، لا تعادي الرجل، ولا تنسف العائلة، بل تفهم دورها داخل المنظومة باحترام متبادل.
وفي السياق الفلسطيني، هذا الفهم يصبح جزءًا من المقاومة اليومية؛ فكل امرأة تحفظ توازن بيتها، أو تربي أبناءها على الثبات، أو تعزز الانتماء في قلب طفلة، هي امرأة مستقلة بحق.


الاستقلال لا يعني أن أعيش وحدي، بل أن أكون نفسي حتى وأنا مع الآخرين.
هو أن أقول “لا” حين تكون “نعم” خيانة لنفسي، وأن أقول “نعم” حين تكون “لا” هروبًا من واجبي.


في النهاية، تبقى المرأة الفلسطينية نموذجًا يُحتذى.
فهي لم تطلب استقلالًا من أحد، بل فرضته بكرامتها وعزيمتها، وصاغته بنقش التطريز، ودمعة الأسر، ونداء العودة.
استقلالها ليس صدى لثقافات مستوردة، بل امتدادٌ لجذور ضاربة في الأرض، تُثمر وعيًا لا يُباع، وكبرياء لا يُشترى.

أضف تعليق