نحن نعيش اليوم “نسخة مطورة” من الجاهلية، لم تعد تفاخراً بـ “بني فلان” و”بني علان” فحسب، بل أصبحت تعصباً لخطوط رسمها مستعمر على خارطة، أو “قومية” (عرب، فرس، أكراد، أتراك) يرى كل طرف فيها أنه “شعب الله المختار”، أو “مذهب” تحول من اجتهاد في فهم النص إلى خندق للعداء.
كانت القلوب قديماً تضيق بالقبيلة، واليوم تضيق بالهوية المجتزأة، ليبقى الإنسان سجين “ما وُلد عليه” لا “ما يفعله”. وهنا يأتي المنهج القرآني كـ “مشرط جراح” يعالج هذه الأورام الحديثة بتدرج مذهل:

1. كشف الوهم: سقطت الحدود وبقيت الحفرة


يبدأ القرآن بهزّ القدسية الزائفة التي نضفيها على انتماءاتنا الترابية والعرقية.
(ألهاكم التكاثر).. انشغال بالتفاخر بالحدود السياسية، بقوة القومية، بنقاء العرق، بكثرة الأتباع في المذهب.. ولكن إلى أين؟
(حتى زرتم المقابر).في لحظة الموت، تسقط “الجنسية”، ويذوب “العرق”، ويتلاشى “المذهب” كأداة للصراع، ليبقى الإنسان وحيداً بعمله. هذه الصدمة الوجودية هي أول خطوة لتحرير النفس من وثنية الانتماء الضيق.

2. إعادة الميزان: الإنسان “بمشروعه” لا “بمنبته”**
في واقعنا، يُحاكم الإنسان بناءً على “لون جواز سفره” أو “لهجته” أو “اسم مذهبه”. جاء القرآن لينسف هذا الظلم بكلمات حاسمة:
(إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
هنا يسقط الامتياز العرقي (فلا فضل لعربي على أعجمي)، ويسقط الاستعلاء القومي، وتتلاشى الطبقية المذهبية. القيمة الحقيقية هي التقوى، والتقوى في جوهرها هي “النفع والإصلاح والمسؤولية”. أنت قيمتك بما تضيفه للحياة، لا بما وُلدت عليه في خارطة “سايكس بيكو”.

3. هندسة التنوع: العرق والمذهب “آية” لا “أزمة”
بدل أن يكون التنوع القومي (عرب، فرس، أكراد) أو التنوع الفكري سبباً للاقتتال، حوله القرآن إلى “مختبر للتعارف”:
(وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا).
القومية في المنظور القرآني هي “هوية ثقافية” لإثراء الحضارة، لا “ثكنة عسكرية” للهجوم على الآخر. والاختلاف في الألسن والألوان هو (آية من آيات الله)؛ أي لوحة جمالية تكتمل بتعدد ألوانها، لا بصراعها.

4. اقتلاع الجذور: التحرر من “حمية” الخنادق


أخطر ما في تعصبنا المعاصر هو “الحرارة” التي تغلي في الصدور؛ تلك “الحمية” التي تجعل الإنسان يدافع عن الظالم لمجرد أنه من “بلده” أو “مذهبه”.
(إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية).
القرآن يعالج هذه “النار” الداخلية بالسكينة .. سكينة الإيمان التي تمنح الإنسان التوازن، ليقول للمخطئ (وإن كان من قومه): أخطأت، وللمحسن (وإن كان من عرق مغاير): أحسنت.

الخلاصة: المنهج الموحد للتحرر الشامل


كما عالج القرآن الإدمان على الخمر، يعالج اليوم الإدمان على الكراهية:
من وهم التفوق بالدم أو الجنسية ← إلى شرف التقوى والعمل.
ومن العصبية للحدود والمذاهب ← إلى رحابة الإنسانية والوحدة.
ومن الصراع القومي والمذهبي ← إلى التدافع الحضاري والتعارف.ليكون التحول الكبير
بدلاً من إنسان يرى “الأخر” (الكردي أو الفارسي أو العربي أو المخالف مذهبيًا) تهديداً له.. نصل إلى إنسان يرى في الآخر “شريكاً” في عبادة الله وعمارة الأرض.
> المنهج القرآني لا يلغي “انتماءك” لبلدك أو لغتك، بل يضعه في مكانه الصحيح: خادماً للإنسان، لا سيداً عليه.

أضف تعليق

الأكثر رواجًا